ابن بسام
213
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وقد بلغنا أنك نفضت مكامن الثّغر الأعلى ، وسريت إلى بلاد العدوّ في من سرى ، وشهدت الخيل يوم طرادها ، وباشرت الحرب غداة جلادها ، مختالا بين الصفين على شقراء تردي منك بنسيج وحده ، وتجيء [ 76 ب ] بك معتجرا في برده [ 1 ] ، فقد كتب عليك حكم القتل والقتال ، وعلينا توسيع الجيوب وجرّ الأذيال [ 2 ] ، فهذا هو الرأي الذي سوّل لك أن تدّعي التوبة ولا تستدعي الكأس ، وتستدعي النوبة [ 3 ] وتستعدي الناس [ 4 ] ، وتري أنّك تنسك وتتقرّأ [ 5 ] ، وتنخلع من المجون وتتبرأ ، فالسلام عليك يا أيها الناسك المتصوّف ، والمتبتّل المتقشف ، الذي أقصر لما أبصر ، وفضّل نور الحقيقة ، على نور الحديقة ، فقطع العلائق ، وهجر الخلائق ؛ فأنت ممن تقول ، ما لا تدركه الألباب والعقول : أخذ مني أنا ، فبقيت / بلا أنا ، فبوجهك يستسقى الغمام [ 6 ] ، وببركة دعائك تستشفى الآلام ، فإنك الرجل الزاهد ، والمرابط المجاهد ، وما تخفى عليك لطائف الزهد ورقائقه ، ووجوه النّسك وطرائقه . ولكن هات حدّثنا حين لم ترض بالراح إلفا ، وطلّقتها ألفا ، ما سببك في سبّك لها ، وهي صافية طاهرة ، وغضّك منها وهي طيبة عاطرة ، وكلوحك في وجهها وهي طلقة ناضرة ؟ ! وما لك جواب غير قول أبي نواس [ 7 ] : لا تسمّ المدام إن لمت فيها * فتشين اسمها المليح بفيكا وأما إشارتك في أن نشربها على ودّك ، ونتذكر عليها طيب عهدك ، فلا ولا كرامة ولا نعمى عين ، فهي أجلّ وأكرم من أن نبذلها في ودّ من جفاها وقلاها ، ونديرها على
--> [ 1 ] من قول دكين الراجز : جاءت به معتجرا ببرده * سفواء تردي بنسيج وحده والسفواء : الخفيفة الناجية السريعة : وفي الأصول : « شقراء » وهي صفة للفرس ؛ والسفواء صفة للبغلة . [ 2 ] من قول عمر بن أبي ربيعة : كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جر الذيول . [ 3 ] ب : التوبة . [ 4 ] وتستعدي الناس : وردت في م وحدها . [ 5 ] تقرأ : تنسك . [ 6 ] من قول الشاعر : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل [ 7 ] ديوان أبي نواس : 309 .